أخبار وطنية لحوم قطط وحمير، وتحرش جنسي وعنف: أين ذهبت أخلاق التونسي؟
كسل وخمول وانتهاك للأخلاق الحميدة وعنف لفظي ومادي وتحرش جنسي في وسائل النقل العمومية.. سب وشتام جهارا نهارا في المنازل والأحياء والطرقات وفي المدارس والمعاهد وحتى على وسائل التواصل الاجتماعي.. غش واختلاس وجرائم تنوعت مشتقاتها.. وجبات بلحم القطط ولحم الحمير وبلحوم فاسدة كاسدة.. ذم وثلب لكل مخالف للآراء أو المواقف مهما اختلفت أبعادها..
ما كل هذا؟ إلى أين نحن ذاهبون؟ أين ذاك التونسي الذي كان رمزا للوسطية والاعتدال والنقاء النفسي؟ أين هو التونسي النابذ لكل مظاهر العنف والغطرسة والجفاء؟ هل أضحينا في زمن لا نعرف فيه ذواتنا أم فقدنا فيه طرق البحث عن ذواتنا الضائعة في غياهب التلاطم الجسدي واللفظي والفكري؟ أم هل بتنا نعاني انفلاتا أخلاقيا وإنسانيا غير مسبوق؟
ووسط كل هذه التساؤلات الباحثة عن أجوبة شافية لمكمن الداء والباحثة عن الدواء، ظهرت هذه الأيام نتائج دراسة حديثة أجرتها جامعة «ستانفورد» في الولايات المتحدة، شملت 111 دولة حول العالم، أفادت أن تونس جاءت ضمن أكثر الشعوب كسلا،ً وشملت الدراسة حجم الخمول ومدى نشاط الناس عن طريق استخدام الهواتف النقالة الشخصية لأكثر من 700 ألف شخص.
وحلل الخبراء قاعدة معلومات تعود لـ68 مليون يوم تم استخلاصها من تطبيق إلكتروني على الهواتف النقالة لمن شملتهم الدراسة ترصد نشاطهم الحركي وعدد الخطوات التي يقومون بها يوميا.
وتعتبر هذه الدراسة أكبر بألف مرة من أي دراسة سابقة ركزت على النشاط الحركي للبشر، حسب ما أفاد به أستاذ الهندسة البيولوجية في جامعة «ستانفورد» الأميركية «سكوت ديلب»، وهو أحد القائمين على الدراسة الجديدة.
«كل التونسيين مرضى نفسانيون»
وحول الحديث عن أسباب ظاهرة التفسخ الأخلاقي لدى «بعض» التونسيين اليوم أكّد الأستاذ محمد سندي المختص في علم النفس التربوي في حديث جمعه بأخبار الجمهورية، أنه عادة ما تحدث الانحرافات الأخلاقية والنفسية من قبل فئة الشباب المارة برحلة البحث عن الذات هذه الفئة الرافضة للسلطة العائلية والأبوية سواء كنوع من الاقتداء بالأصدقاء أو كمظهر من مظاهر تكوين الشخصية البعيدة عن كل ما هو أخلاقي أو قيمي أو ديني..
ونوه الأستاذ سندي في المقابل بأن منسوب الانحرافات الأخلاقية في المجتمعات العربية أكثر حدّة وارتفاعا ففي تونس مثلا يختلط «الحابل بالنابل» في توصيفه لما اتسمت به كل الفئات العمرية من انفلات وتسيب ولامبالاة قائلا «لا نستطيع طلب الانضباط من تلميذ يكون شاهدا على تأخير أستاذه وتدخينه أمام ناظريه»..
وأفاد من جهة أخرى بأنّ الانضباط هو حالة عامة تكاد تكون استثنائية لدى التونسي نظرا لعدم التزام مناخنا الاجتماعي به، مشيرا إلى أن التسيب أصبح يمارس «فوقيا» ونخبويا ولعل من بين النماذج المجتمعية السلبية والسيئة التي تعكس ذلك هو ما تبثه بعض البرامج التلفزية من حوارات متشنجة تصل أحيانا إلى حد الشجار والشتم علنا وعلى المباشر..
واعتبر الأستاذ في علم النفس التربوي محمد سندي أنّ هشاشة شخصية الشباب التونسي وميله إلى التقليد وتأثره بسوء العلاقات الأسرية التربوية الخاطئة التي تترك في الغالب آثارا نفسية لا يمكن للزمن محوها هو من بين الأسباب التي أدت إلى انتشار حالة العنف اللفظي والمادي «المجاني» الذي طال كل الفئات والمواقع، قائلا «لهذا السبب أضحى كل المجتمع التونسي مصابا بالمرض النفسي ومعرضا له بدرجات معينة»..
الرجة السلفية الأخلاقية وصناديق «الأقسام»
من جهته أكّد الأستاذ المحاضر عادل بالكحلة في قسم علم الاجتماع بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، انه لا يمكن الجزم بأن نسبة الانحلال الأخلاقي التي أصبحنا نشهدها في هذه السنوات قد فاقت ما شهدته القرون السابقة ويفسّر ذلك لصعوبة مسألة المقارنة نظرا لضعف فرع اجتماع الأخلاق في العالم العربي بصفة عامة على حد تعبيره، مشيرا في المقابل إلى ان الانحلال الأخلاقي نتيجة بات أمرا عاديا خاصة مع ارتباط ارتفاع منسوبه مع كل أزمة ومنعطف سواء كان اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا..
وأضاف محدّثنا بأنّ أسباب الانحلال الأخلاقي تعددت وتنوعت على تعدد وتنوع «الرجّات» في بلادنا سواء كانت ثقافية او اقتصادية أو سياسية أو أخلاقية سلفية أيضا على حد توصيف محدثنا الذي اعتبر أنها «دخلت فينا غولة» خاصة مع بداية أحداث 14 جانفي، معتبرا انّ الرجة الأخلاقية السلفية نجحت من الهيمنة والسيطرة على بعض الأحياء في الجمهورية عن طريق التضامنية التي فرضتها والتي مكّنتها من كسب ثقة العديد من المواطنين غير المدركين حجم المصائب التي أقحمتنا فيها من بينها دمغجة عقول عدد من الشباب تم غسل أدمغتهم وتسفيرهم إلى بؤر التوتر وتحطيم مستقبلهم وتدمير أحلامهم..
وصرّح الأستاذ عادل بالكحلة أنّ من بين أسباب الانحلال الأخلاقي كذلك هو أنّ جانب الثقافة بكل أبعادها لم تلعب دورها الكفيل بمعالجة هذه الظاهرة ولم تنجح في الدفع لخلق النموذج الأخلاقي الجديد الذي يكون متأقلما مع المعطيات الاقتصادية والثقافية والعولمية الحديثة..
على صعيد آخر استنكر محدّثنا معدل ساعات الدراسة في تونس الذي وصل إلى حدود 36 ساعة أسبوعيا معتبرا انّه من «العار» أن نثقل كاهل أبنائنا بهذا القدر ونقحمهم في صناديق «الأقسام» دون أن نترك لهم مجالا لعيش حياتهم الاجتماعية وممارسة هواياتهم الثقافية والجمعياتية التي تساهم في تنمية الجانب الأخلاقي فيهم لمحاربة كل جوانب الانحلال والتفسخ الأخلاقي بعد ذلك..
المجتمع التونسي تغير بعد 60 سنة
الدكتور منصف وناس الباحث المختص في سوسيولوجيا الدولة والمجتمع والحركات الدينية والمدير العام لمركز الدراسات والبحوث الاقتصاديّة والاجتماعيّة، أكّد في مداخلته مع أخبار الجمهورية بأنّ أسباب ظهور ما سمّاه بسلوكيات اجتماعية أو شبابية جديدة جاء نتيجة ظهور ثورة افتراضية جديدة ذات تأثير كبير على جميع المواطنين وبالخصوص على الفئة والشريحة الشبابية التي غالبا ما تكون هشة وسريعة التأثر بالمضامين التي تعرضها التكنولوجيات الافتراضية من جهة والقنوات التلفزية من جهة أخرى وفق تصريحه ..
وأضاف محدّثنا «لا شك بأن المجتمع التونسي تغير بعد 60 سنة من الاستقلال وتبلور هذا التغير خاصة إبان سنة 2011 أين شدّنا تراجع مجموعة من السلط كسلطة الدولة وسلطة المؤسسات وسلطة المعلم والأستاذ والولي، وسط استهلاك قوي لمضامين الفايسبوك والانترنت والمشاهدة القوية للقنوات الفضائية بمعنى أن البيئة الاجتماعية للمجتمع التونسي تغيرت تغيرا جذريا ونوعيا فلم تعد تلك البيئة التي عرفناها في الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20 ولم تعد أيضا العائلة كالتي عرفناها في الخمسينات أو الستينيات من ذات القرن أي عائلة ممتدة فيها سلطة متنوعة ومضاعفة كسلطة الأب وسلطة الخال والعم والجد وحتى الجار»..
غياب القدوات الايجابية هو مكمن الداء
وتابع الدكتور منصف وناس مشددا على أنّ كل هذه المؤسسات التأطيرية والتنشيئية تفككت تدريجيا وضعفت سلطتها لصالح سلط أخرى مهمة من أبرزها الإعلام والانترنت والفايسبوك، وهي ما اعتبرها مجتمعات باردة ولكنها في المقابل قوية التأثير في الأجيال الجديدة..
ولهذا اعتبر محدّثنا أنّه من الطبيعي أن تبدو لنا سلوكيات الشباب نوعا من التفسخ وهي ليست كذلك فهي سلوكيات متأثرة بمرحلتها وبيئتها وظروفها، إضافة إلى كل ذلك نوه الدكتور وناس إلى أنه لا توجد مؤسسات قادرة على أن تقدم القدوة الايجابية مثلما كان الشأن في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين..
وأكد أنّ واحدة من المشاكل السوسيولوجية تتبلور في أنّ الشاب يستشعر العزلة بمعنى لا يرى نفسه محاطا بالقدوات الايجابية ولا قادرا على التأثير في بيئته، وهو ما يجعله يبحث عن القدوة من خلال عالم افتراضي بارد ولكنه شديد الإغراء والتأثير في عقليته وفي نفسيته على حد تعبيره..
تحقيق: منارة تليجاني